الشيخ محمد علي الأنصاري
138
الموسوعة الفقهية الميسرة
نبيّن أقسام التقيّة إجمالًا ، ثمّ نترك التفصيل إلى الأبحاث الآتية ، فنقول : التقيّة تكون على أنحاء : الأوّل - أن يظهر الإنسان خلاف ما يعتقده باللسان ، أو العمل دفعاً للخطر المتوجّه إليه ، كما فعل عمّار . الثاني - أن يقتصر على عدم إظهار المخالفة من دون أن يظهر الموافقة . الثالث - أن يداري الإنسان مخالفيه من دون أن يظهر لهم الموافقة ؛ وذلك لمصلحة أهمّ من مصلحة بيان رأيه المخالف . الرابع - أن يستتر عن المخالف في ارتكاب عمل ، سواء كان عباديّاً ، أو جهاديّاً ، أو ثقافيّاً ، أو غيرها . الخامس - أن يخفي أهدافه حتى من أقربائه وأصحابه لمصلحة تقتضي ذلك ، كما يحصل من القادة السياسيّين والعسكريّين . ويبدو أنّ الخلاف منحصر في الأوّل ؛ لأنّ ما عداه لا محذور فيه ، بل واقع ومتحقّق من الأنبياء ومن دونهم ، ونماذجه كثيرة . فذهب البعض إلى عدم جواز التقيّة فيه - أي الأوّل - لما تقدّم من التعليل ؛ وقوله تعالى « الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً » « 1 » . قال السرخسي : إنّ هذا النوع - يعني النطق بكلمة الكفر تقيّة - يجوز لغير الرسل ، فأمّا في حقّ المرسلين - صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين - فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدِّين الحقّ ، وتجويز ذلك محال - أي ممنوع شرعاً - لأنّه يؤدّي إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة ؛ لاحتمال أن يكون فعل ذلك أو قاله تقيّة « 2 » . وقال الشيخ الطوسي منّا - ردّاً على من قال بجواز الكذب على الرسل تقيّة : « وقد دلّت الأدلّة العقليّة على أنّ الأنبياء لا يجوز أن يكذبوا في ما يؤدّونه عن اللَّه ، من حيث إنّه كان يؤدّي إلى أن لا يوثق بشيءٍ من أخبارهم ، وإلى أن لاينزاح علّة المكلّفين ، ولا في غير ما يؤدّونه عن اللَّه من حيث أنّ تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم » « 3 » . هذا وجوّز بعضهم التعريض لهم ، وهو : « أن يقول الرجل شيئاً يقصد به غيره ، ويفهم منه غير ما يقصده ، ولا يكون ذلك كذباً » « 4 » . قال الزمخشري في وجه قول إبراهيم : « إِنِّي سَقِيمٌ » « 5 » - وكلام غيره في هذا المجال أيضاً - : « فإن قلت : كيف جاز له أن يكذب ؟ قلت : قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب ، والتقيّة ،
--> ( 1 ) الأحزاب : 39 . ( 2 ) المبسوط ( للسرخسي ) 24 : 45 . ( 3 ) التبيان 8 : 510 . ( 4 ) مجمع البيان ( 7 - 8 ) : 450 . ( 5 ) الصافات : 89 .